علي بن مهدي الطبري المامطيري
215
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
ثمّ رفع أمير المؤمنين ع يديه ، واستقبل القبلة بوجهه ، ومدّ يده مدّا حتّى حاذت رأسه وهو لا يزيد على أن يقول : رَبَّنا ، ظَلَمْنا أَنْفُسَنا . . . ، فَاغْفِرْ لَنا ، وَارْحَمْنا * ، ربّنا ، إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » تنحدر الدموع على خدوده ووجنتيه . ثمّ قال للناس : هذا تضرّع الخضوع ، وتعلمون ما تضرّع الخضوع ؟ هو : الإقرار بالذنب ، وانحدار الدموع على الوجنتين ، وخشية القلب عندما نزل العفو ، هل تعلمون « 1 » ما يقول لكم ربّكم سبحانه إذا رأى تضرّع الخضوع والإنابة ؟ يقول : ملائكتي ، ألا ترون عبادي ذرّية آدم ع تضرّعوا بقلوب خاشعة ، ودموع سائلة ، وأيد باسطة ، وإقرار بالذنوب علانية ، يقولون : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 2 » وحقّ عليّ أن لا أعذّب من تضرّع مثل تضرّعهم ، وقال مثل ما قال أبواه : آدم وحوّاء ، اشهدوا ملائكتي ، أنّي قد ملأت أيديهم من عفوي ، وغمرتهم بمغفرتي ، وأنعمتهم برضواني ، ورددت عنهم عذابي » . ثمّ قال أمير المؤمنين : وإنّ هذه الزلزلة من إحدى أذني الحوت الذي كوّن اللّه سبحانه على ظهره البحار والصخرة والأرضين ، واسمه في القرآن نون ، وفي التوراة بلهار ، وفي الإنجيل الريان ، وفي السريانية كورا ، تفسير ذلك : أن كوّرت الأشياء ، وجعل كلّها على ظهره ، فإذا أراد اللّه تعالى أن يخوّف العباد عند المعاصي الكبائر ، أوحى اللّه سبحانه إلى دويب صغير كسمّ الخياط وأصغر ، فيدخل في إحدى أذنيه ، فيقلقل الحوت ، فيجد من ذلك غمّا ، فيحرّك الأذن ، فيتزلزل كلّ شيء فيه من الدويب فيسكن ، وإنّ من أسفل أذنيه إلى أعلى أذنيه خمس مئة عام ، فمن يصف سائر خلقه ؟ !
--> ( 1 ) . في النسخة : بل تعلموا . ولعلّ المراد بما جاء في النسخة من : « بل تعلمون » هو : ( بل هل تعلمون ) ، فتكون ( بل ) للترقّي وحذف الاستفهام لدلالة السياق عليه . ( 2 ) . الأعراف : 23 .